أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
571
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
997 - يهدي به أكلف الخدّين مختبر * من الجمال كثير اللّحم عيثوم « 1 » وفلان كلف بكذا : أي مغرى به . وقوله : لا تُضَارَّ ابن كثير وأبو عمرو : « لا تضارّ » برفع الراء مشددة ، وتوجيهها واضح ، لأنه فعل مضارع لم يدخل عليه ناصب ولا جازم فرفع ، وهذه القراءة مناسبة لما قبلها من حيث إنه عطف جملة خبرية على خبرية لفظا نهييّة معنى ، ويدل عليه قراءة الباقين كما سيأتي . وقرأ باقي السبعة بفتح الراء مشددة ، وتوجيهها أنّ « لا » ناهية فهي جازمة ، فسكنت الراء الأخيرة للجزم وقبلها راء ساكنة مدغمة فيها ، فالتقى ساكنان فحرّكنا الثانية لا الأولى ، وإن كان الأصل الإدغام ، وكانت الحركة فتحة وإن كان أصل التقاء الساكنين الكسر لأجل الألف إذ هي أخت الفتحة ، ولذلك لمّا رخّمت العرب « إسحارّ » وهو اسم نبات قالوا : « إسحار » بفتح الراء خفيفة ، لأنهم لمّا حذفوا الراء الأخيرة بقيت الراء الأولى ساكنة والألف قبلها ساكنة فالتقى ساكنان ، والألف لا تقبل الحركة فحرّكوا الثاني وهو الراء ، وكانت الحركة فتحة لأجل الألف قبلها ولم يكسروا وإن كان الأصل ، لما ذكرت لك من مراعاة الألف . وقرأ الحسن بكسرها مشددة ، على أصل التقاء الساكنين ، ولم يراع الألف ، وقرأ أبو جعفر بسكونها مشددة كأنه أجرى الوصل مجرى الوقف فسكّن ، وروي عنه وعن ابن هرمز بسكونها مخففة ، وتحتمل هذه وجهين : أحدهما : أن يكون من ضار يضير ، ويكون السكون لإجراء الوصل مجرى الوقف . والثاني : أن يكون من ضارّ يضارّ بتشديد الراء ، وإنما استثقل تكرير حرف هو مكرر في نفسه فحذف الثاني منهما ، وجمع بين الساكنين - أعني الألف والراء - إمّا إجراء للوصل مجرى الوقف ، وإمّا لأنّ الألف قائمة مقام الحركة لكونها حرف مدّ . وزعم الزمخشري « أن أبا جعفر إنما اختلس الضمة فتوهّم الراوي أنه سكّن ، وليس كذلك » انتهى . وقد تقدّم شيء من ذلك عند يَأْمُرُكُمْ « 2 » ونحوه . ثم قراءة تسكين الراء تحتمل أن تكون من رفع فتكون كقراءة ابن كثير وأبي عمرو ، وأن تكون من فتح فتكون كقراءة الباقين ، والأول أولى ، إذ التسكين من الضمة أكثر من التسكين من الفتحة لخفتها . وقرأ ابن عباس بكسر الراء الأولى والفكّ ، وروي عن عمر بن الخطاب : « لا تضارر » بفتح الراء الأولى والفك ، وهذه لغة الحجاز أعني فكّ المثلين فيما سكن ثانيهما للجزم أو للوقف نحو : لم تمرر ، وامرر ، وبنو تميم يدغمون ، والتنزيل جاء باللغتين نحو : مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ « 3 » في المائدة ، قرئ في السبع بالوجهين وسيأتي بيانه واضحا . ثم قراءة من شدّد الراء مضمومة أو مفتوحة أو مكسورة أو مسكّنة أو خفّفها تحتمل أن تكون الراء الأولى مفتوحة ، فيكون الفعل مبنيا للمفعول ، وتكون « والدة » مفعولا لم يسمّ فاعله ، وحذف الفاعل للعلم به ، ويؤيده قراءة عمر
--> ( 1 ) البيت لعلقمة بن عبدة انظر ديوانه ( 76 ) ، المفضليات ( 404 ) ، وهو من شواهد الكتاب ( 2 / 325 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 67 ) . ( 3 ) سورة المائدة ، آية ( 54 ) .